الشيخ محمد رشيد رضا

383

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

وذكر به . وجعله ابن جرير لأهل الكتاب الذين كانوا في المدينة وجوارها ومن على شاكلتهم ، الذين قالوا : نحن أبناء اللّه وأحباؤه ، لان السياق الذي انتهى ببيان حد السرقة كان في محاجتهم ، ومنها إبطال دعواهم انهم أبناء اللّه وأحباؤه بأنهم بشر من جملة خلقه ، وانه هو رب العباد ومالكهم المتصرف في أمرهم بالعدل والحكمة ، يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء كما تقدم ، فكأن ابن جرير يرى أن ما ذكر من وضع اللّه الحدود والعقوبات في الدنيا ، وبيان ما أعده من الخزي والعذاب للعصاة في الآخرة ، ينتظم في سلك الدلائل على ابطال دعوى قولهم انهم أبناء اللّه وأحباؤه ، واثبات كونهم بشرا من جملة خلقه يعذب من شاء منهم بالشرع وبالفعل كما يعذب غيرهم ، كما يرحم من يشاء . وتشهد بذلك شريعتهم ذات العقوبات القاسية ، وما وقع عليهم أفرادا وجميعا من عذاب الدنيا بالحرب والسبي والأمراض . وقد تقدم هنا ذكر العذاب على ذكر الرحمة خلافا لما تكرر في القرآن حتى في مثل هذا التركيب من تقديم الرحمة أو المغفرة على العذاب ، ومنه الآية التي رد اللّه فيها على أهل الكتاب زعمهم انهم أبناء اللّه وأحباؤه ، إذ قال ( بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ ) وحكمة هذا التقديم هنا ترتيب الآية على ما قبلها من بيان عقاب السارق أولا ، وذكر توبته ثانيا . فهي لا تنافي كون الرحمة المطلقة سابقة ومقدمة على العذاب المطلق . واستدل الرازي وأمثاله بالآية على مذهب الأشاعرة القائلين بأنه يحسن من اللّه تعالى أن يعذب التائبين المصلحين ، والنبيين والصديقين ، ولو بتخليدهم في النار ، ويرحم المفسدين الظالمين ، ولو بتخليدهم في الجنة . ووجه الدلالة عندهم انه تعالى ناط التعذيب والرحمة بالمشيئة ، ورتبه على كونه مالك الملك ، والمالك يتصرف في ملكه كما يشاء . وما حسن لهم هذا القول واستنباط مثل هذا الدليل له الا توجه ذكائهم وفهمهم إلى الرد على من نقلوا عنهم من المعتزلة انه يجب عليه تعالى ان يفعل ما هو الأصلح لعباده . فإن كان قد قال هذا القول بنصه أحد فهو مخطىء وقليل الأدب ، لأنه يوهم أن هنالك سلطانا فوق سلطان اللّه سبحانه يوجب عليه ، وان كان لا يريد ذلك . ولكن الأشاعرة لا يستطيعون ان ينكروا ولا أن